أبي الفرج الأصفهاني
192
الأغاني
وأنه أقدر على الصنعة منهم ؟ قال : أقول : إنه جاهل أحمق ؛ قال : فأنت تزعم أنه قد كانت بقيت عليهم أشياء لم يهتدوا لها ولم يحسنوها ، فتنبّهت عليها أنت وتممتها وحسّنتها بجندرتك ؛ قال : فضحك المعتصم وبقي إبراهيم واجما مطرقا ، ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه ؛ وما سمعته أنا ولا غيري بعد ذلك اليوم يتبجّح بغناء يصلحه من غناء المتقدّمين ، حتى يطنب في صنعته ويشتهى استماعه منه ، كما كان يدّعي قديما . قال : وكان حمدون يقول : كان إبراهيم يأكل المغنّين أكلا ، حتى يحضر إسحاق ، فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته ، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته ؛ وكان إسحاق آفته ، كما أنّ لكل شيء آفة . غنى المأمون بشعر ذي الرمة فأجازه : أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال : خرجت يوما من داري وأنا مخمور أتنسّم الهواء ، فمررت برجل ينشد رجلا معه لذي الرّمّة : صوت ألم تعلمي يا ميّ أنّي وبيننا مهاو لطرف العين فيهنّ مطرح [ 1 ] ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن [ 2 ] أمام المطايا تشرئبّ وتسنح من المؤلفات الرمل أدماء [ 3 ] حرّة شعاع الضّحى في متنها يتوضّح / هي الشّبه أعطافا وجيدا ومقلة وميّة منها بعد أبهى وأملح كأن البرى [ 4 ] والعاج عيجت متونه على عشر نهّى [ 5 ] به السيل أبطح لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى تباريح من ميّ فللموت أروح فأعجبني ، فصنعت فيه لحنا غنّيت به المأمون ، فأخذت به منه مائة ألف درهم . لحن إسحاق في هذه الأبيات أوّل مطلق في مجرى البنصر .
--> [ 1 ] مهاو : جمع مهواة وهي ما بين الجبلين . يريد الشاعر أن يصفها بأنها مهاو بعيدة يسرح فيها البصر فلا يرده شيء . [ 2 ] أم شادن : كنية الظبية ، والشادن : ولدها الذي قد قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه . ويقال : ظبية مشدن أي ذات شادن يتبعها . وتشرئب : ترفع رأسها لتنظر ، وكل رافع رأسه مشرئب . وفي ب ، ح : « تستريب » وهو تحريف . وتسنح : تعرض ، وقيل : تسنح : تأتي عن شمالك . [ 3 ] كذا في س ، و « ديوان ذي الرمة » ( ص 80 ) طبع كلية كمبردج . ويروى « من الآلفات الرمل » ، يقال : آلف المكان وألفه . وفي سائر الأصول : « المولعات » . ويروى : من الموطنات . والأدماء : واحدة الأدم ، وهي - كما قال الأصمعيّ - : الظباء البيض تعلوهن جدد فيهن غبرة ، فإن كانت خالصة البياض فهي الآرام . وحرة : كريمة . ويتوضح : يبرق . [ 4 ] البرى : الخلاخيل ، الواحدة برة ، وكل حلقة تسميها العرب برة . والعاج : أسورة تتخذها نساء العرب من العاج ، وعيجت : لويت . والعشر : شجر ناعم لين مستو . شبه ساعديها وساقيها بشجر العشر في الاستواء واللين . [ 5 ] كذا في ح و « ديوانه » ووردت مصححة بخط الأستاذ الشنقيطي أيضا . ونهى الشيء : أبلغه وأوصله ، ونهاه : بلغ نهايته ( بالتضعيف فيهما ) ، وهذا المعنى غير مراد . وفي سائر الأصول : « تهمى » وهو تحريف . والأبطح : بطن الوادي . ومرجع الضمير في « به » شجر العشر مرادا به مكانه الذي ينبت فيه . وعدّي « نهى » بالباء لأنه ضمن معنى « حبس » ، أي إن بطن الوادي حمل السيل وأبلغه للمكان الذي ينبت فيه شجر العشر وحبسه به فهو لذلك ريان ممتلئ . ( انظر نسخة مخطوطة من « ديوان ذي الرمة » بشرح الأعلم الشنتمري محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1840 أدب ص 43 ) .